«هنا القاهرة».. العنوان صفحيًا مكرر ومعاد، وربما كان البحث عن بديل هو الخيار الأفضل، لكن فى الحقيقة أن هذا العنوان هو الأنسب لما نراه من فخر واعتزاز وهو يحمل دلالات أنه قدر مصر يتجدد فى كل العصور أو أن بدا فى هذا الزمن أكثر توهجًا فكلما اشتعلت النيران وأصبحت الأمة العربية فى مفترق طرق، وتنامت المخططات والتهديدات تظهر من جديد تتردد على كافة الألسنة القاهرة هى طوق النجاة، بوابة الحل، الملاذ لكل من يبحث عن الأمن والأمان اشخاصًا ودولاً جماعات وفرادي، فهى التى قال فيها رب العالمين «ادخلوا مصر ان شاء الله آمنين» وقال فيها نبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم «مصر فى رباط إلى يوم الدين» وحباها بقائد عظيم اعاد لها شبابها، وثقلها ودورها، وقوتها وقدرتها بحكمة ورؤية واستباقية، قرأ صفحات المستقبل ورصدت ما فيه من عواصف وصراعات ومخططات قبل أن توجد بسنوات لذلك سابق الزمن والوقت وكان يصارع كل التحديات والمعوقات، وكان لسان حاله دائمًَا يخبرنا دون أن ندرى احنا متأخرين كان يعرف جيدًا التوقيت، كنا نتساءل لماذا يبنى صروح القوة والقدرة، ويبلغ عنان الردع، يبدو هادئًا رابط الجأش يتحلى بصبر لا حدود له، لا يلتفت للإساءات، جل أهدافه هو العمل ثم العمل وتحقيق النجاح تلو النجاح، انطلق فى كل القطاعات والمجالات، والاتجاهات يبنى ويعمر ويصلح ويطور، حتى حانت لحظة الحصاد، الخطر الداهم جاء فوجد، جبلاً صلبًا، تتحطم عليه مؤامرات قوى الشر صلب فى إرادته، استثنائى فى شموخه، متفرد فى ادراك قدرة وعظمة هذا الوطن، الابن الوفى لأجداد عظماء حملوا راية هذه الأمة، ولم يفرطوا فى حبة رمل من أرضها، لم يأبه بتخويف أو تهديد أو إملاءات.
وأنا أكتب هذا العنوان «هنا القاهرة» تتنابنى مشاعر من الفخر، وأيضا تعود بى الذكريات إلى مشاهد الخراب والدمار والفوضى فى يناير 2011 كانوا يقولون إنها لن تقوم لها قائمة فإذا بالواحد الأحد يهديها قائدًا عظميًا، ابن هذه الأرض التى انجبت عظماء وسادة العالم، انقذها وبناها وحماها، ليس هذا فحسب، بل اعادها إلى منصة الأقوياء.
«هنا القاهرة».. حكاية لم تبدأ هذه الأيام واستدعاء هذا العنوان لم يكن ترفًا واستسهال بل يعبر عن حالة موجودة على الأرض، تؤكدها الزيارات واللقاءات والاتصالات، وقوة العلاقات، والحرص على الانصات والاستماع، وثبوت دقة وصواب الرؤية المصرية وأن ما يجرى فى القاهرة وخارجها على مدار الأيام الماضية، وما تقوم به الدبلوماسية الرئاسية، تؤكد أن هناك شيئًا وحدثًا مهمًا يتم ترتيبه واخراجه لانقاذ المنطقة من الدخول فى النفق المظلم وتجنيبها مصير مجهول، وأن هذا «المخرج المصري» يجهض ويبطل مفعول المخططات الشيطانية التى تستهدف دول الأمة العربية، وأن تأكيد القاهرة على أن التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية هى السبيل لأمن واستقرار وسلامة الشرق الأوسط، وأن أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصري، وأنه لابد من تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية، كل ذلك يعكس أننا أمام دولة تمتلك الرؤية.
«هنا القاهرة» لم تكن وليدة اللحظة وأعنى بها الـ12 عامًا من الكفاح والنضال من أجل الانقاذ والانجاز وبناء القوة والقدرة الشاملة، و«هنا القاهرة» بدأت تخلق بعيدًا مع انفجار المنطقة فى 8 أكتوبر 2023 فى العدوان الصهيونى على غزة، وأعلنت مصر بعد ساعات، خطوطها الحمراء ولاءات لن تسقط من ذاكرة التاريخ، لا تصفية للقضية الفلسطينية ولا تهجير للفلسطينيين، ولا مساس بالأمن القومى المصري، وأعلنتها واضحة لن يحدث، وقد كان وانتهت الحرب وفشل مخطط التهجير، لسبب موقف مصر وجاء الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى أكتوبر 2025 لتوقيع خطة السلام بشرم الشيخ ووقف الحرب.
«هنا القاهرة» عندما أعلنت مصر أن الحرب الأمريكية ــ الإيرانية، حسابات خاطئة وبالفعل، لم تحسم شيئًا.
«هنا القاهرة» جاء الرئيس الصينى للقاهرة لتطوير الشراكة الإستراتيجية بين البلدين وعكست الزيارة رسائل مهمة أن القاهرة قرارها من دماغها وإرادتها، ثم جاء رئيسًا قبرص واليونان ليتأكد للجميع أن مصر سيدة قرارها، ولها حساباتها، وتقديراتها، ولا ترى سوى مصلحتها الوطنية، وأنه لا غنى ولا تراجع عن التوازن فباتت قبلة الجميع حتى لو كانوا خصوم وأعداء، فالقاهرة لا تحبذ الاحلاف والتحالفات لكنها قادرة على التدخل من أجل الحل السياسى والدبلوماسى ورصيدها لدى الجميع لا ينفد، وذهب الرئيس السيسى إلى العاصمة الهندية نيودلهي، فى حالة تعكس الشموخ المصري، واستقلال القرار، يمضى حيث قبلة المصالح الوطنية لهذا البلد الأمين ليلتقى كبار العالم وهو أحدهم، الرئيس الروسى فلاديمير بوتين، وجاء اللقاء حافلاً بالرسائل والقضايا وتطابق الرؤى وجهات النظر والتأكيد على تطوير علاقات «القاهرة ــ موسكو» بطبيعة الحال لم يخلو اللقاء مما يحدث فى الشرق الأوسط وما يجرى من صراع دامي، وتصورات ورؤى مصرية للحل، واستمرت اللقاءات المهمة ليلتقى الرئيس السيسى بنظيره الإيرانى وهو انعكاس حقيقى لحالة التواصل والانفتاح المصرى للجميع حتى بات الجميع على يقين أن نوافذ مصر وأبوابها مفتوحة أمام الحلول إذا وجدت إرادة الآخرين، ثم زيارة الأمير محمد بن سلمان ولى العهد السعودى ورئيس مجلس الوزراء ولقائه بالرئيس السيسى والتأكيد على رسائل غاية فى الأهمية أن التوافق والاتفاق بين البلدين مطلق، والتأكيد على دعم وتضامن مصر الكامل مع الأشقاء فى المملكة وأن أمن المملكة والخليج جزء من الأمن القومى المصرى وشملت المباحثات شواغل وهموم وأزمات العرب فى السودان وفلسطين واليمن والبحر الأحمر فالتحديات والتهديدات واحدة والمصير المشترك يجمع «القاهرة ــ الرياض» لذلك الزيارة بالفعل جاءت فى توقيتها، ثم زيارة الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبومازن والتأكيد على أن الوطنية الفلسطينية هى القضية المركزية فى المنطقة وضرور التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة والحفاظ على حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته المستقلة على خطوط 4 يونيو 1967 وأن القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية وفقًا للرؤية المصرية وأن التسوية العادلة والشاملة هى السبيل لتحقيق السلام الدائم والاستقرار بالشرق الأوسط ورفض مصر الكامل للانتهاكات الإسرائيلية والتأكيد مجددًا على رفض تهجير الشعب الفلسطينى وتصفية قضيته، لذلك ظنى أن مصر تدير مشروعًا رؤية وتبنى طوق نجاة لانفاذ المنطقة، أو أن هناك عمل مصرى وبرعايتها لنزع فتيل الاشتعال وحشد دول المنطقة أمام مشروع الشيطان الصهيونى بعد أن سقطت الاقنعة وانكشفت الحقائق وأن الأشقاء لا غنى لهم عن بعضهم البعض ولا وقت لأى شيء آخر، سوى الاحتشاد والاصطفاف العربي، حقًا، «هنا القاهرة».